محمد بن محمد حسن شراب
60
شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية لأربعة آلاف شاهد شعري
د - ليست الحكمة قسما متميزا في القصيدة ، ولا تستطيع أن تعدها بمنزلة المقدمة الغزلية في قصيدة المدح ، بل هي من نسق القصيدة ومن سياقها المتّحد اللون والمذاق ، فالحكمة في قصيدة الفخر مجموعة من التجارب التي جلبت لصاحبها المفاخر . فالشاعر علقمة بن عبدة في القصيدة التي مطلعها : هل ما علمت وما استودعت مكتوم * أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم يفخر بحضوره مجلس الشراب ، وينعت الخمر والإبريق ، ويفخر بغلبته الأقران واشتراكه في الميسر ، واختراقه المفاوز ، وصبره على رديء الطعام والشراب ، وبسيره في الهواجر . . . وهذه المفاخر يجمعها الكرم والشجاعة . . وهو يقدّم لهذه المفاخر بأبيات في الحكمة ، فيها دعوة إلى الشجاعة والكرم ، ونبذ البخل والخوف . وحضور مجالس الشراب من مظاهر الكرم عند طائفة من الجاهليين . ومما قاله في أبيات الحكمة : والحمد لا يشترى إلّا له ثمن * مما يضنّ به الأقوام معلوم والجود نافية للمال مهلكة * والبخل باق لأهليه ومذموم ومن تعرّض للغربان يزجرها * على سلامته لا بدّ مشؤوم وكلّ حصن وإن طالت سلامته * على دعائمه لا بدّ مهدوم وفي قصيدة الرثاء يمزج الشاعر نظرته إلى الحياة بالرثاء في صورة حكم . استمع إلى لبيد بن ربيعة يرثي أخاه أربد حيث يقول : بلينا وما تبلى النجوم الطوالع * وتبقى الجبال بعدنا والمصانع وما الناس إلا كالديار وأهلها * بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع وما المرء إلا كالشهاب وضوئه * يحور رمادا بعد إذ هو ساطع وما المال والأهلون إلا ودائع * ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع وما الناس إلا عاملان فعامل * يتبّر ما يبني وآخر رافع فمنهم سعيد آخذ بنصيبه * ومنهم شقيّ بالمعيشة قانع وفيما سبق من الملاحظات قدمنا أنموذجا للحكمة في قصيدة زهير ، ورأينا أنها متصلة بموضوع القصيدة ، وممتزجة مع معانيها .